فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال ابن عادل:

إنما ذكر اسم الإشارة مذكرًا والمشار إليه مؤنث لأحد وجوه:
إما ذهابًا بها مذهب الكواكب، وإما ذهابًا بها مذهب الضوء والنور، وإما بتأويل الطَّالع أو الشخص؛ كما قال الأعشى: [السريع]
قَامَتْ تُبَكِّيهِ عَلَى قَبْرِهِ ** مَنْ لِيَ بَعْدكَ يَا عَامِرُ

تَرَكْتَنِي فِي الدَّارِ ذَا غُرْبَةٍ ** قَدْ ذَلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ نَاصِرُ

أو الشيء، أو لأنه لما أخبر عنها بمذكَّرٍ أعْطِيَتْ حُكْمَه؛ تقول: هند ذاك الإسنان وتيك الإنسان؛ قال: [البسيط]
تَبِيتُ نُعْمَى عَلَى الهِجْرَانِ غَائِبَةً ** سَقْيًا ورعْيًا لِذاكَ الغَائِبِ الزَّاري

فأشار إلى نعمى وهي مؤنث إشارة المُذكرِ بوصف الذكورن أو لأن فيها لُغَتَيْنِ: التذكير والتأنيث، وإن كان الأكثر التأنيث، فقد جمع بينهما في الآية الكريمة فانَّث في قوله: {بازغة}، وذكَّرَ في قوله: {هذا}.
وقال الزمخشري: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارةً عن شيء واحد؛ كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك، و{لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا} [الأنعام: 23] وكان اختيار هذه الطريقة واجبًا لصيانة الرَّبِّ عن شُبْهَةِ التأنيث، إلا تَرَاهُمْ قالوا في صفة الله: علاَّم، ولم يقولوا: عَلاَّمة، وإن كان أبْلَغَ، احترازًا من علامة التأنيث.
قلت: وهذا قريبٌ مِمَّا تقدَّم في أن المؤنث إذا أخبر عنه بمذكَّرِ عومل معاملة المُذكَّرِ، نحو: هند ذاك الإنسان.
وقيل: لأنها بمعنى: هذا النَّيِّر، أو المرئي.
قال أبو حيَّان: ويمكن أن يقال: إن أكثر لغة الأعاجم لا يفرقون في الضمائر، ولا في الإشارة بين المُذَكَّرِ والمؤنث سواء، فلذلك اشار إلى المؤنَّثِ عندنا حين حكى كلام إبراهيم بما يشار به إلى المذكر، بل لو كان المؤنث بِفَرْجِ لم يكن له علامة تَدُلُّ عليه في كلامهم، وحين أخبر تعالى عنها بقوله: {بَازِغَةً} و{أفَلَتْ} أتت على مقتضى العربية، إذ ليس ذلك بحكاية انتهى.
وهذا إنما يظهر أن لو حكى كلامهم بِعَيْنِهِ في لغتهم، أما شيء يعبر عنه بلغة العرب، ويعطى حكمه في لغة العَجَمِ، فهو مَحَلُّ نَظَرٍ.

.فصل في بيان سبب تسمية العبرية والسريانية:

قال الطبري: إن إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- إنما نطق بالعبرانية حين عَبَرَ النَّهْرَ فارًا من النَّمْرُودِ حيث قال للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم من يتكلم بالسريانية فأتُونِي به، فلما أدْرَكُوُ اسْتَنْطَقُوهُ، فَحوَّلَ الله نُطْقَهُ لسانًا عربيًا، وذلك حين عبر النَّهْرَ، فسميت العبرانية لذلك.
وأما السُّرْيَانِيَّةُ فذكر ابن سلام أنها سميت بذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى حين علم آدم الأسماءَ علَّمهُ سِرَّا من الملائكة، وأنطقه بها حنيئذ، فَسُمِّيتِ السريانية لذلك، والله أعلم.
قوله: {هَذَا أكْبَرُ} أي: أكبر الكواكب جِرْمًا، وقواها قولة، فكان أوْلَى بالإلهية، قوله: {إِنِّي بريء مِّمَّا تُشْرِكُونَ} ما مصدرية، أي: بريء من إشراككم، أو موصولة أي: من الذين يشركونه مع الله في عبادةته، فحذف العائدن ويجوز أن تكون الموصوفة والعائد محذوف أيضًان إلا أنَّ حَذْفَ عائد الصِّفَةِ أقل من حَذْفِ عائد الصِّلة، فالجملة بعدها لا محلًّ لها على القولين الأوَّليْنِ، ومحلها الجر على الثالث، ومعنى الكلام أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للرُّبُوبيَّةِ والإلهية، لا جَرَمَ تبَرَّأ من الشِّرْكِ. اهـ.

.تفسير الآية رقم (79):

قوله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
فلما أبطل بذلك جميع مذهبهم أظهر التوجه إلى الإله الحق، وأنه قد انكشف له الصواب بهذا النظر، والمراد هم، ولكن سوقه على هذا الوجه أدعى لقبولهم إياه، فقال مستنتجًا عما دل عليه الدليل العقلي في الملكوت: {إني وجهت وجهي} أي أخلصت قصدي غير معرج على شيء أصلًا، فعبر بذلك عن الانقياد التام، لأن من انقاد لشيء أقبل عليه بوجهه، ودل على كماله وتفرده بالكمال مبدعاتُه، وعبر باللام دون إلى لئلا يوهم الحيز، فقال: {للذي فطر} أي لأجل عبودية من شق وأخرج {السماوات والأرض} فختم الدليل بما افتتحت به السورة من قوله: {الذي خلق السماوات والأرض} وأدل دليل على ما تقدم- أني فسرت الحنف به من أنه الميل مع الدليل سهولة ولطافة على ما هو دأب الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها- قولُه بعد نصب هذا الدليل: {حنيفًا} أي سهلًا هينًا لينًا لطيفًا ميالًا مع الدليل غير كزّ جاف جامد على التقليد دأب الغليظ البليد، وأكد البراءة منهم بقوله: {وما أنا من المشركين} أي منكم، ولكنه أظهر الوصف المقتضي للبراءة والتعميم، أي لا أعد في عدادكم بشيء أقاربكم به. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره. بل المراد وجهت عبادتي وطاعتي، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعًا لغيره منقادًا لأمره، فإنه يتوجه بوجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة.
وأما قوله: {لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض} ففيه دقيقة: وهي أنه لم يقل وجهت وجهي إلى الذي فطر السموات والأرض.
بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله: {وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى} والمعنى: أن توجيه وجه القلب ليس إليه، لأنه متعال عن الحيز والجهة، بل توجيه وجه القلب إلى خدمته وطاعته لأجل عبوديته، فترك كلمة إلى هنا والاكتفاء بحرف اللام دليل ظاهر على كون المعبود متعاليًا عن الحيز والجهة، ومعنى فطر أخرجهما إلى الوجود، وأصله من الشق، يقال: تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما، وأما الحنيف فهو المائل قال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت في صلاته، وقيل إنه العادل عن كل معبود دون الله تعالى. اهـ.

.قال أبو حيان:

{إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا} أي أقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني وغير ذلك مما يعمه المعنى المعبر عنه بوجهي للذي ابتدع العالم محل هذه النيرات المحدثات وغيرها، واكتفى بالظرف عن المظروف لعمومه إذ هذه النيرات مظروف السموات ولما كانت الأصنام التي يعبدها قومه النيرات ومن خشب وحجارة وذكر ظرف النيرات عطف عليه الأرض التي هي ظرف الخشب والحجارة، و{حنيفًا} مائلًا عن كل دين إلى دين الحق وهو عبادة الله تعالى مسلمًا أي منقادًا إليه مستسلمًا له.
{وما أنا من المشركين} ولما أنكر على أبيه عبادة الأصنام وضلله وقومه، ثم استدل على ضلالهم بقضايا العقول إذ لا يذعنون للدليل السمعي لتوقفه في الثبوت على مقدمات كثيرة وأبدى تلك القضايا منوطة بالحس الصادق تبرأ من عبادتهم وأكد ذلك بأن ثم أخبر أنه وجه عبادته لمبدع العالم التي هذه النيرات المستدل بها، بعضه ثم نفى عن نفسه أن يكون من المشركين مبالغة في التبريء منهم. اهـ.

.قال الألوسي:

{إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ} أي أوجد وأنشأ {السموات} التي هذه الأجرام من أجزائها {والأرض} التي تلك الأصنام من أجزائها {حَنِيفًا} أي مائلًا عن الأديان الباطلة والعقائد الزائغة كلها {وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين} أصلًا في شيء من الأقوال والأفعال، والمراد من توجيه الوجه للذي فطر إلخ قصده سبحانه بالعبادة.
وقال الإمام: المراد وجهت عبادتي وطاعتي، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعًا لغيره منقادًا لأمره فإنه يتوجه بوجهه إليه فجعل توجه الوجه إليه كناية عن الطاعة والظاهر أن اللام صلة وجه.
وفي الصحاح وجهت وجهي لله وتوجهت نحوك وإليك، ظاهره التفرقة بين وجه وتوجه باستعمال الأول باللام والثاني بإلى، وعليه وجه اللام هنا دون إلى ظاهر، وليس في القاموس تعرض لهذا الفرق.
وادعى الإمام أنه حيث كان المعنى توجيه وجه القلب إلى خدمته تعالى وطاعته لأجل عبوديته لا توجه القلب إليه جل شأنه لأنه متعالٍ عن الحيز والجهة تركت إلى واكتفى باللام فتركها.
والاكتفاء باللام هاهنا دليل ظاهر على كون المعبود متعاليًا عن الحيز والجهة وفي القلب من ذلك شيء.
فإن قيل: إن قصارى ما يدل عليه الدليل أن الكوكب والشمس والقمر لا يصلح شيء منها للربوبية والألوهية ولا يلزم من هذا القدر نفي الشرك مطلقًا وإثبات التوحيد فلم جزم عليه السلام بإثبات التوحيد ونفي الشرك بعد إقامة ذلك الدليل؟ فالجواب بأن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل على أن هذه الأشياء ليست أربابًا ولا آلهة وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق.
ثم إن المشهور أن هذا الاستدلال من أول ضروب الشكل الثاني.
والشخصية عندهم في حكم الكلية كأنه قيل: هذا أو القمر أو هذه أفل أو أفلت ولا شيء من الإله بآفل أو ربي ليس بآفل ينتج هذا أو القمر أو هذه ليس بإله أو ليس بربى.
أما الصغرى فهي كالمصرح بها في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَفَلَ} [الأنعام: 76، 77] في الموضعين، وقوله سبحانه: {فَلَمَّا أَفَلَتْ} [الأنعام: 78] في الأخير، وأما الكبرى فمأخوذة من قوله تعالى: {لا أُحِبُّ الآفلين} [الأنعام: 76] لأنه يشير إلى قياس وهو كل آفل لا يستحق العبودية.
وكل من لا يستحق العبودية فليس بإله ينتج من الأول كل آفل ليس بإله، ويستلزم لا شيء من الآفل بإله لاستلزام الموجبة المعدولة السالبة المحصلة.
ويصح جعل الكبرى ابتداء سالبة فينتج ما ذكر وينعكس إلى لا شيء من الإله بآفل، وهي إحدى الكبريين.
ويعلم من هذا بأدنى التفات كيفية أخذ الكبرى الثانية.
وقال الملوي: الأحسن أن يقال إن قوله تعالى: {لا أُحِبُّ الآفلين} يتضمن قضية وهي لا شيء من الآفل يستحق العبودية فتجعل كبرى لصغرى ضرورية وهي الإله المستحق للعبودية ينتج لا شيء من الإله بآفل وإذا ضمت هذه النتيجة إلى القضية السابقة وهي هذا آفل ونحوه أنتج من الثاني هذا ليس بإله أو لا شيء من القمر بإله، وإن ضممت عكسها المستوي إليها أنتج من الأول المطلوب بعينه فلا يتعين الثاني في الآية بل الأول مأخوذ منها أيضًا. اهـ.
فتأمل فيه ولا تغفل. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وجملة {إنّي وجَّهْت وَجْهِي} بمنزلة بدل الاشتمال من جملة {إنِّي بريء ممّا تشركون}، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله، وهو إفراده بالعبادة.
والوجه في قوله: {وجهي}.
و{وجّهت} مشتقّ من الجهة والوجهة، أي صرفته إلى جهة، أي جعلت كذا جهة له يقصدها.
يقال: وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه.
ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر.
فمعنى {وجَّهت وجهي} صرفتُه وأدرته.
وهذا تمثيل: شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئًا وقصده وانصرف عن غيره.
وأتي بالموصول في قوله: {للذي فطر السماوات والأرض} ليومئ إلى علّة توجّهه إلى عبادته، لأنّ الكواكب من موجودات السماء، والأصنامَ من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى.
وفعل (وجَّه) يتعدّى إلى المكان المقصود بإلى، وقد يتعدّى باللام إذا أريد أنَّه انصرف لأجل ذلك الشيء، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه وطاعته كما تقول: توجّهت للحبيب، ولذلك اختير تعدّيه هنا باللام، لأنّ في هذا التوجّه إرضاء وطاعة.
وفَطَر: خلَق، وأصل الفَطْر الشقّ.
يقال فطر فطورًا إذا شقّ قال تعالى: {فارجع البصر هل تَرى من فُطُور} [الملك: 3] أي اختلال، شُبّه الخلْق بصناعة الجلد ونحوه، فإنّ الصانع يشقّ الشيء قبل أن يصنعه، وهذا كما يقال: الفَتق والفَلْق، فأطلق الفَطر على إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة تؤهّل للفعل.
و{حنيفًا} حال من ضمير المتكلّم في {وجهتُ}.
وتقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: {قل بل ملّة إبراهيم حنيفًا} في سورة [البقرة: 135].
وجملة: {وما أنا من المشركين} عطف على الحال، نفَى عن نفسه أن يكون متَّصلًا بالمشركين وفي عدادهم.
فلما تبرّأ من أصنامهم تبرّأ من القوم، وقد جمعهما أيضًا في سورة [الممتحنة: 4] إذ قال: {إنّا بُرَاء منكم وممّا تعبدون من دون الله}.
وأفادت جملة {وما أنا من المشركين} تأكيدًا لجملة {إنِّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا}، وإنَّما عطفت لأنَّها قصد منها التبرّؤ من أن يكون من المشركين.
وهذا قد جرينا فيه على أنّ قول إبراهيم لمّا رأى النيّرات {هذا ربِّي} هو مناظرة لقومه واستدراج لهم، وأنّه كان موقنًا بنفي إلهيتها، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحى إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتجّ بها على قومه.
ومن المفسّرين من قال: إنّ كلامه ذلك كان نظرًا واستدلالًا في نفسه لقوله: {لئن لم يهدني ربِّي}، فإنَّه يُشعر بأنّه في ضلال لأنَّه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط، وليس هذا بمتعيّن لأنَّه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أنّ لهم ربَّا بيده الهداية، كما بيّنّاه في موضعه، فيكون كلامه مستعملًا في التعريض.
على أنَّه قد يكون أيضًا مرادًا به الدوام على الهداية والزيادة فيها، على أنَّه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجّة حتَّى لا يتغلّب عليه قومه.
فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالًا في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى، فيكون قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} [الأنعام: 75] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه، ويكون قوله: {رأى كوكبًا} بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل، ويكون قوله: {قال هذا ربِّي} قولًا في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه، وهو حديث النفس، كقول النابغة في كلب صيد:
قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعًا ** وإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد

وقول العَجّاج في ثور وحشي:
ثم انثنى وقال في التفكير ** إنّ الحياة اليوم في الكُرور

وقوله: {هذا ربِّي} وقوله: {لا أحبّ الآفلين} وقوله: {لئِن لم يهدني ربِّي} كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي.
وقوله: {قال يا قوم} هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذٍ. اهـ.